لانشقاق في «المنهجية العائمة» لحرب المعلومات

تشرين
30/08/2012

قصص الانشقاق في «المنهجية العائمة» لحرب المعلومات

تقهقر المعلومات المجردة... إنتاج المعلومات المعرفية... تـحويل المعلومات المعرفية إلى ذخيرة للسلاح

لماذا تطلق شائعة انشقاق هذا المسؤول أو ذاك؟ أو إصابته في محاولة لاغتياله؟ أو قتله من قبل العصابات المسلحة؟ أو وجوده للعلاج في مشافٍ خارجية؟ أو هروبه؟
السيد فاروق الشرع نائب رئيس الجمهورية تعرض لعدد من هذه الشائعات، بدأت بإعلان ابنة أخيه عن فقدان عمها، وانتهت بالإعلان عن انشقاقه أكثر من مرة، حتى إن الأردن اضطرت للإعلان 6 مرات أنه لم يدخل أراضيها.

لم يكن السيد نائب الرئيس الوحيد الذي تعرض لهذا، فكلنا استمع إلى شائعات تناولت شخصيات سورية مهمة، ولا تزال تتناولها، لأسباب تبدو للوهلة الأولى أنها تتعلق بالحرب النفسية، لكنها ـ في الحقيقة ـ ترتبط بخطة استخباراتية، هدفها جمع كم كبير من المعلومات، ومواجهة أي عوائق تواجه هذه العملية.
أحد أقطاب إعلام المجموعات المسلحة، طالب عبر صفحته على الفيسبوك، بإطلاق حملة دعائية في الساعة 12 ليلاً، يتم من خلالها الإعلان عن انشقاق فاروق الشرع نائب رئيس الجمهورية، مشيراً إلى أن هذا التوقيت مهم جداً نظراً لأن أحداً لن يحاول الاتصال بالشرع ليلاً، وإن حاول فلن يرد عليه، وهذا يرسخ فكرة الانشقاق ويثير البلبلة في الشارع السوري، وفق تقديرات فرزات
.
هذا هو نمط التفكير الذي يقود العصابات المسلحة، كان يصدر اليوم عن شخصية هو صورة مطابقة لنمط التفكير لدى قادة الفكر في أوساط المسلحين، إنه نمط المعلومات الخطأ.
السؤال المطروح هنا، هل هذا هو الهدف الحقيقي لإطلاق هذه الشائعة، أو الشائعات المماثلة لها؟
يمكننا القبول مبدئياً بأن خلق البلبلة هو أحد أهداف هذه الأساليب، لكن لانستطيع تجاهل الهدف غير المباشر لاختلاق مثل هذه القصص الخيالية، ألا وهو دفع الحكومة السورية للقيام بعرض بطل القصة على شاشة التلفزيون، أو الاتصال به هاتفياً، من قبل وسائل الإعلام، بما يتيح لأجهزة الرصد والمراقبة، تتبع حركته (التي فقدتها على مايبدو) من جديد، وتالياً، الشروع في حملة إعلامية تبنى على حامل إعلامي مثير (الانشقاق أو الخطف أو القتل أو الظهور) يشكل حالة افتراضية عبر تقارير وهمية، تحقق أهدافاً محددة.
يقول الفريق سعد الدين الشاذلي رئيس أركان الجيش المصري خلال حرب تشرين 1973 في مذكراته:
«... خرجت من البيت ولم اخبر أحدا وبقيت 10 أيام من دون أن اتصل بأحد.. الجميع انشغل علي والبعض قال للصحافة إنني توفيت بسكتة قلبية، لكني واصلت الغياب، حتى لايستطيع العدو تتبع أخباري، واكتشاف ماأقوم به».
تتبع الأخبار، هو قضية مهمة جداً للعدو، الذي يريد أن يعرف كل شيء، عن كل شخص في المواقع القيادية.
في الحرب العالمية الثانية، سعت دوائر الحرب النفسية جاهدة لابقاء جنرالات هتلر الذين شغلوا المناصب الإدارية في «الرايخ ستار»، حيث لايظهر قادة ميدانيون جدد، ولكي يحققوا ذلك، اعتمدوا على فبركة قصص إصابة أو هروب أو مقتل أحد الجنرالات، ثم يعملون على إظهار غضب القيادة الأمنية من تصرفاته، ويحملونه الفشل في تدمير القوات في منطقة معينة.
الهدف من كل ذلك، هو رفع شأن هذا الجنرال وخروج التكذيب الدائم من القيادة عن تلك المعلومات.
ودأب المحللون النفسيون على مراقبة تصرفات القيادة وتركيب معلومات غير حقيقية وتشكيل فبركات جديدة تجعل أي محاولة للتغيير تظهر وكأنها تطابق شائعاتهم، وتالياً، تخسر التأييد الشعبي الذي يبحث دائما عن قيادات ميدانية جديدة يثق بها وبقدرتها على المواجهة.
وهكذا يتمكن قادة الحرب النفسية من تنفيذ خطتهم في التدخل بالقرارات السياسية والأمنية، وفي تشكيل قيادات تتناسب مع خططهم.

الاختراق

إطلاق الشائعات أنموذج من نماذج أخرى متعددة يتم استثمارها للوصول إلى أهداف محددة، هي أبعد بكثير من أن تكون مجرد شائعة.
المعلومات هي السر، كان لابد للعدوان من أن يسعى لفتح ثغرات في جدار القوة السورية من خلال السعي لاكتشاف المعلومات المعرفية وليس المعلومات المجردة، فزمن الجواسيس الذين يحصلون على المعلومات المجردة انتهى، وصارت المعلومات بحاجة إلى اختبارات وتطبيقات، كي تتولد من خلال هذه العملية، المعرفة الحقيقية لعناصر القوة، ومن ثم تسهل عملية تحليلها وتفتيتها إلى مكونات صغيرة، يمكن لمجموعات مسلحة صغيرة، أن تقضي عليها
.
توضع الخطط في هذا الإطار، وترصد لها كل الإمكانات المتاحة، بدءاً من الأقمار الصناعية ومروراً بالسفن التخصصية التي تنتشر قبالة المياه الإقليمية السورية وأجهزة الاتصال الحديثة وانتهاء بالشرائح الإلكترونية التي يتم نشرها في مواقع محددة، لتقوم ببث المعلومات من تلقاء نفسها، حيث يصطادها خبراء تم تأهيلهم في أحدث مراكز البحوث والخبرة العالمية.
يحدث هذا، وفي ذهن المخطط مادة أساسية بنى عليها أفكاره، وهي أن السوريين لن يكون في مقدورهم الانتباه إلى هذا الأسلوب الاستكشافي، وسيتعاملون مع المعلومات بالطريقة المجردة، وسوف يقعون في الفخ، لأنهم ـ حسب تقدير المخطط ـ لايدركون مفهوم المعلومات المعرفية، ولا يمكنهم القيام بتطبيقات عملية وفق هذا المفهوم، لكن الأحداث أثبتت عكس ذلك.

المعلومات المجردة تؤسس للمعرفة

قد تكون المعلومات المجردة بالنسبة للبعض غير ذات قيمة، (مثال: المعلومات التي أوردها الجاسوس الإسرائيلي «أنعيم»)، لكنها قد تكون ذات قيمة عالية، إذا ماأضيف إليها بعض الإضافات أو الارتباطات مع معلومات أخرى، فعدد العمال الموظفين في مؤسسات القطاع العام ـ مثلا ـ يستقي أهميته من علاقته بموضوع البطالة، ومن علاقته بمستوى الانتماء للدولة، وبحجم الأجور، وأشياء أخرى كثيرة، وكذا بالنسبة لمعرفة عدد السفن التي اعتاد المرفأ استقبالها، ومقارنة هذا العدد مع عدد السفن في فترات أخرى مثل فترة الحرب الاقتصادية والعقوبات.
من هنا، نجد أن الحصول على المعلومات المعرفية يعني الحصول على نقاط القوة ونقاط الضعف وهو مايتيح إمكانية اختراق نقاط القوة وتشتيتها، وإمكانية استغلال نقاط الضعف بما في ذلك تعزيزها.
وهذه الأفكار تنقلنا إلى المهمات التي نفذها الجاسوس الإسرائيلي «أنعيم»، الذي أشار إلى جمع معلومات قد لاتبدو للوهلة الأولى ذات قيمة، لكنها ـ على مايبدو ـ وبعد جمعها مع معلومات حصل عليها آخرون، تجعلنا على يقين بأنها ذات أبعاد عميقة، في كل مجالات الحياة، ولعلنا نذكر هنا علاقة العقوبات الأوروبية ببعض الحاجات اليومية للمواطن، وتأثيرها في تشكيل أزمات قوية، كأزمة الخبز وأزمة الغاز وأزمة المازوت... إلخ.
إذاً... المطلوب هو استكشاف المعلومات ومن ثم تقاطعها مع معلومات أخرى وبعدها إدخالها إلى حالة الاختبار في مواقع معينة، وهنا يكون الوصول إلى المعلومات المعرفية سهلاً، كأن يتم التعرف على عدد العاملين في التهريب - مثلا - (تهريب المازوت ـ تهريب الدخان ـ تهريب الأبقار ـ تهريب التجهيزات الكهربائية ـ تهريب أجهزة الاتصالات ـ تهريب الأسلحة... إلخ)، وتالياً الوصول إلى أفكار عن تأسيس مجموعات تقوم بمهام غير شرعية، استناداً إلى أن عملية التهريب تقوم أساساً على عمل غير شرعي، وهو مايقود بشكل أو بآخر إلى تأسيس عصابات مسلحة، أو عصابات قطاع طرق، أو عصابات السرقة التي تؤسس بمجموعها لمجتمع الفوضى.
قيام العصابات بمختلف أشكالها بتنفيذ عمليات ميدانية يعني تشكل معلومات جديدة منها معلومات عن تصرف الأجهزة الأمنية، أو معلومات عن تصرف أبناء الحي أو المدينة، أو معلومات عن تصرف وجهاء أو رموز لها علاقة بالنظام أو بجهات أخرى.

المنهجية العائمة

اعتمد صناع الحدث السوري منهجية من نوع مختلف، يمكننا وصفها وفق وجهة نظر رياضية بـ «المصفوفة»، أي أنها لاتعتمد على معادلة واضحة بل على مجموعة من المعادلات التي تمثل عناصرها عوامل غير ثابتة، تتشكل بناء على تطورات الحدث،
وتتحول كما يتحول هذا الحدث، وهنا تكون المنهجية غير محددة، ومتغيرة حسب التحولات، فنقول عنها منهجية عائمة، تماماً كما هو حال الغيمة في الفضاء.
ولتوضيح ذلك، نشير إلى العمليات التي تقوم بها هذه العصابة المسلحة أو تلك، وفق معلومات تصل إليها، سواء عبر الاتصالات الهاتفية، أو من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، أو من الأقمار الصناعية، أو بشكل مباشر من قيادات محلية وأجنبية. وفي ضوء نتائج هذه العمليات يمكن الكشف عن الطرق التي تتعامل بها الأجهزة الأمنية المختصة معها، وبناء عليه توضع المعلومات التي تحدد طريقة رد الأجهزة الأمنية، فتقوم العصابات بتغيير أدائها وفق هذه المعلومات، في عملياتها الجديدة، حيث تحقق نجاحات أفضل، نظراً لتحول المعلومات إلى معلومات معرفية، تعتمد على التجربة والاختبارات.
كلنا يذكر أن الرد الذي مارسته الجهات المختصة على عمليات العصابات المسلحة لم يكن يستند إلى منهج واحد، بل على العكس، كانت لكل عملية طريقتها الخاصة في المعالجة، وهنا ذهبت خطة الوصول إلى المعلومات المعرفية أدراج الرياح، أو لنقل إنها ارتدت بنتائجها على تلك العصابات وعلى مشغليها في الخارج، وشكلت الأجهزة الأمنية السورية منظومة المنهجية العائمة التي تعتمد على مصفوفتها الخاصة التي لايستطيع أحدٌ، أياً كان أن يفك رموزها، ولعلّ في حادثة اصطياد 40 سيارة مسلحة قادمة من جرابلس إلى حلب، بما فيها من أسلحة ومسلحين، مايدل على أن هذا الكمين جاء نتيجة معلومات تؤكد أن الطريق آمن، وأن القافلة ستواصل سيرها إلى حلب بأمان، وهو مالم يكن ليتحقق لولا قيام الجهات المختصة بعمليات صناعة معلومات معرفية وهمية تؤكد ذلك، من خلال بعض الممارسات على الأرض.
في الوقت نفسه سعت منهجية العصابات المسلحة لاستكشاف طرق الرد السوري المختلفة، والأسلحة المستخدمة والخطط القتالية وعمليات الإمداد والقدرة القتالية للجندي السوري، ومستوى تلاحم الشعب مع الجيش، وتالياً استكشاف الأسلحة الحديثة التي يستخدمها الجيش العربي السوري، ومعرفة مواطن قدراتها، بهدف إيجاد البدائل لمواجهتها، في معركة قادمة يجري التخطيط لها، تكون هي المعركة الأساسية، وتكون المعلومات المعرفية ذخيرة للسلاح فيها.
إذاً... الوصول إلى المعلومات المعرفية، هو بمنزلة خطوة، لمعركة عسكرية قادمة، يجري التخطيط لها في الخفاء، وعندما يفشل الأعداء في الوصول إلى تلك المعلومات المعرفية، فإن ذلك يعني الفشل في الحرب التي ستعتمد على هذه المعلومات.

حدود الحرب

حرب المعلومات ليست لها حدود ولا مياه إقليمية ولا أجواء وطنية، إنها معارك يومية في الفضاء والأرض والبحر، وتصل جبهاتها إلى ذهنية القائمين عليها، فتؤرق أيامهم ولياليهم، في حالة استنفار دائم.
وحرب المعلومات لاتمكن مواجهتها إلا بالمعلومات، ولكن وفق معطيات وعوامل، يدخل فيها الأسلوب والزمن وساحات العمل والشرائح المستهدفة والمنهجية، وتالياً فإن خوض هذه الحرب قد يكون أصعب بكثير من خوض الحروب العسكرية التقليدية
.

مَنْ يخدم من؟

في منظومة «المنهجية العائمة» لايمكننا النظر إلى المعلومات المعرفية كمجرد عنصر من عناصر المعركة العسكرية، وفي الوقت نفسه لايمكننا النظر إلى العمليات القتالية كعناصر في حرب المعلومات.
الحدث السوري أثبت أن المعلومات المجردة أضحت سلاحاً بالياً، وأن حياة الجاسوسية التقليدية توقفت، وأن لاحياة إلا للمعلومات المعرفية، وأن الوصول إلى مثل هذه المعلومات المعرفية لايمكن أن يتحقق إلا عبر اختبارات عسكرية على أرض الواقع العملي.
من هنا، ندرك السبب الحقيقي لاستطالة الحدث السوري الذي تحول في معظم الأحيان إلى مخبر استكشافي للوصول إلى المعلومات المعرفية، من خلال صناعة بدائل لكل المهام التي يثبت فشلها، من قبل مخططي التآمر، لتعود وتفشل من جديد في مرحلة لاحقة، لأن هؤلاء المخططين أدركوا أن الحرب على سورية بغياب المعلومات المعرفية، حرب آيلة للسقوط، خاصة أن مواجهة السوريين لهذه المؤامرة، استندت إلى صناعة معلومات معرفية استنبطتها من اختبارات المشاركين في العدوان، إضافة إلى صناعة معلومات معرفية بناء على اختبارات خاصة، قد لايكتشفها أحد.
لكل ذلك، أصبحت الحرب على سورية مغامرة لايمكن للعالم أن يتحمل نتائجها، وهو ماأثبتته عمليات توليد المعلومات المعرفية افتراضياً عبر تقانات حديثة جداً تستخدمها دوائر الحرب الأمريكية، وهي تشير وفق مانقل عن بعض الخبراء إلى أن مجرد وقوع الحدث السوري، سيفضي إلى تغيير شامل في الخرائط السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية ليس في المنطقة فحسب وإنما في العالم، وتشير المعلومات المولدة افتراضياً أيضاً إلى أن العودة إلى حالة ماقبل الحدث السوري أضحت مستحيلة.

الجاسوس الإسرائيلي  «أنعيم»..  اكتشاف السر

في 18 أيلول 2011 بث التلفزيون السوري لقاء مع الجاسوس الإسرائيلي «إياد يوسف أنعيم» الذي رأى البعض فيه لقاء غير موفق، حيث إنه لم يقدم المعلومات التي انتظرها المشاهد، وظهر اللقاء بصورة مادة مقحمة على الحدث السوري الآني، في تلك الفترة، لأنه لم يقدم أي معلومات تتعلق بهذا الحدث.
يومها تحدث الجاسوس عن المهام التي كـُلف بها والتي ترتكز على تشكيل ملامح خريطة اجتماعية أمنية تتكامل فيما بعد، تتضمن المعابر وطرق التفتيش والأجهزة المستعملة في التفتيش والمدة الزمنية وتكاليف السفر وكيفية أخذ البصمات والصور وأجهزة كشف المعالم.
كما تتضمن المهام مكونات مدينة اللاذقية من حيث السكان وأعمالهم وساعات الدوام والطوائف وهل توجد مشكلات بين هذه الطوائف، والتشكيل الديموغرافي للمدينة مثل مستوى المعيشة والاقتصاد والصناعات الموجودة وأعمال الناس وأوقات الدوام ونسبة الذين يعملون لدى الدولة.
وتتطرق المهام إلى السفن من حيث سعتها وقدراتها والروافع والوزن الذي تتحمله وجنسياتها، وحمولة الحاويات وقدرة استيعاب الميناء وفترات انقطاع التيار الكهربائي خلال عملية التنزيل، وما إلى ذلك.
السر في هذه المعلومات هو الجانب المعرفي، الذي لم يتوقع الكيان الصهيوني إمكانية الكشف عنه من الجانب السوري، وهو ماحاول التلفزيون السوري أن يوحي باكتشافه، موضحاً أن سورية تعرف لماذا تمت هذه المهمة الجاسوسية، وتعرف أهمية المعلومات التي جمعها الجاسوس من منطلق معرفي، يربط بين المعلومات والحدث السوري من جهة، وبينها وبين الأهداف الاستراتيجية للعدوان على سورية، فكان اللقاء بمنزلة رسالة تقول: إن سورية تعرف خططكم.
حدث هذا في محاولة لردع المستويات القادمة من العدوان، لكن غطرسة الغرب أبعدتهم عن فهم الرسالة السورية، فلم تفعل بهم مايدعوهم إلى إعادة صياغة أفكارهم العدوانية
.

اصطياد المعلومات

قد يكون لقاء الجاسوس الإسرائيلي «أنعيم» خارج سياق الحدث المباشر، لكننا عندما نذكر بدايات الأزمة السورية وتحركها نحو المنطقة الساحلية، ندرك أنها كانت داخل هذا السياق، ولاسيما بعد أن تبين أن السفينة الألمانية التي تعمل في إطار قوات الأمم المتحدة التي تحرس الشواطئ اللبنانية، كانت تكمل هذه المهمة، وقد رصدتها القوات البحرية السورية، وكشفت ماتقوم به من عمليات جمع معلومات وتحليل وإعادة توجيه، بما يؤهلها للوصول إلى معلومات معرفية.
واستكمالاً لهذا المشهد، فإن صحيفة «بيلد أم زونتاغ»، الأوسع انتشاراً في ألمانيا، تعود اليوم إلى القضية نفسها، ولكن لتكشف جانباً أكثر خطورة منها، وهو تورط سفينة تجسس ألمانية في جمع المعلومات عن تحركات الجيش السوري واتصالاته لمصلحة المسلحين.
سفينة التجسس هذه توجد ـ وفق الصحيفة ـ في شرق البحر المتوسط بهدف التنصت على شبكة الاتصالات العسكرية السورية ومراقبة تحركات وحدات الجيش السوري، وتستخدم أجهزة تقنية حديثة ومعقدة تعتمدها المخابرات الألمانية الخارجية (بي إن دي) في مراقبة تحركات القطعات العسكرية السورية حتى عمق 600 كم داخل الأراضي السورية، ثم تقوم بتحويل المعلومات التي تجمعها إلى جهازي المخابرات الأميركية والتركية اللذين يقومان بدورهما بتحليل هذه المعلومات ومعالجتها وتفاعلها مع معلومات أخرى ومن ثم تحويل نتاج كل ذلك من معلومات معرفية إلى العصابات المسلحة، من دون أي رادع، حتى إن أحد رجال المخابرات الألمانية الخارجية يعترف بذلك صراحة ويقول: «يمكننا الفخر بالدور المهم الذي نؤديه لإسقاط النظام».
كما تؤكد معلومات نشرتها صحيفة «المنار الفلسطينية» أن جهاز الاستخبارات الفرنسية (وتحديداً قسم المهام الخارجية)، وأجهزة استخبارات عربية وشرق أوسطية تقود نشاطاً بحثياً لجمع المعلومات عن القيادات السورية المختلفة.

قوات خاصة وطائرات تجسس وسفن تبحث عن المعلومات

كشفت صحيفة «ديلي ستار صنداي» أن «نحو 200 جندي من القوات الخاصة البريطانية يعملون داخل سورية أو حولها «لتصيد أسلحة الدمار الشامل لدى النظام السوري».
وقالت الصحيفة: «إن وحدات من القوات الخاصة البريطانية توغلت في عمق الأراضي السورية»، وأضافت أن «مظليين بريطانيين يعملون أيضاً على الأرض في سورية إلى جانب القوات الخاصة وجهاز الأمن الخارجي البريطاني (أم آي 6) ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) وقوات خاصة فرنسية وأميركية».
ونسبت الصحيفة إلى خبير بريطاني وصفته بالبارز في شؤون الدفاع قوله «هذا السيناريو يبدو أنه مثل شيء من روايات فريدريك فورسايث، لكنه حقيقي ويمكن أن يؤدي إلى مقتل الكثير من الناس».
من جهة أخرى، كشف مصدر دبلوماسي- عسكري في إحدى العواصم العربية في حديث لوكالة «انترفاكس» الروسية للأنباء، عن زيادة نشاط بعض بلدان حلف شمال الأطلسي في متابعة الأحداث في سورية بوساطة وسائل تقنية جوية وبحرية.
وقال المصدر: إن طائرات تجسس فرنسية وبريطانية وأمريكية تستطلع الأراضي السورية باستمرار في الفترة الأخيرة من خلال تنفيذها تحليقات على طول الحدود السورية. وأضاف أن طائرات تجسس أمريكية تعمل من دون طيار تحلق باستمرار على مقربة من الحدود السورية.  وأكد أن تقنيات سفن الناتو الحربية المنتشرة في شرق البحر الأبيض المتوسط تتيح استطلاع الأراضي السورية من أماكن آمنة بالنسبة لها.

الغيمة الإلكترونية تتدخل تطوعاً

التطور الكبير في تقانات المعلومات والاتصالات لم يكن مقتصراً على جهة من دون أخرى،
حيث إن مسار انتقال المعلومات متاح للجميع وتالياً فإن مجرد توافر تلك التقانات يعني إمكانية الحصول على صورة كاملة عن المعلومات التي تسبح في الفضاء، وهو ماأتاح المجال للخبراء السوريين لاكتشاف مالم يتوقع الأعداء اكتشافه، لابل الحصول على نتائج التحاليل التي قاموا بها والطرق المعتمدة فيه.
وعلى الجانب الآخر، ثمة خبراء متطوعون عملوا في خدمة الحدث السوري من خلال إمكاناتهم التقانية مثل «ماهر يونس» الذي استطاع الحصول على أكثر من خمسة عشر ألف وثيقة (مقروءة ومرئية ومسموعة) تم جمعها وتصنيفها، كما استطاع الوجود في أكثر من ثلاثة عشر ألف جهاز حاسوب حول العالم تعمل في خدمة العدوان على سورية عبر نظام الغيمة الإلكترونية وفنون الاختراق والتقصي.

طرق تجفيف مصادر المعلومات

رأى المدون الأمريكي الشهير ريتشارد سيلفرستين في مدونته التي تحمل اسم «تصحيح العالم» أن «إسرائيل» ستفتتح حربها ضد إيران بضربة مزدوجة تدمج بين قدرات إلكترونية هجومية غير مسبوقة تشل قدرات إيران وتفقدها القدرة على معرفة ما يجري حول أو داخل الجمهورية الإسلامية.
وتهدف الضربة الإلكترونية إلى تدمير شبكة الانترنت وشبكات الهواتف والبث الإذاعي والتلفزيوني والاتصالات عبر الأقمار الصناعية والكوابل الضوئية والبصرية في جميع المنشآت الحيوية إضافة لقواعد الصواريخ القائمة تحت الأرض.
وأشار معدو الوثيقة إلى أهمية المعلومات الاستخبارية التي تم جمعها خلال السنوات الماضية فيما أطلقوا عليه اسم «منح «إسرائيل» القدرة على قطع رؤوس الخبراء والمختصين والقيادات العاملة في المجالات المذكورة».

تشرين
05/09/2012

مروان قاووق ...ودراما البيئة الشامية

يعد مروان قاووق أحد أبرز كتاب الدراما البيئية الشامية في سورية... وهو خريج معهد صناعي لاسلكي ومساعد مهندس إلكترونيات.. وبالرغم من أحداً لم يعلمه الكتابة للتلفزيون،

فإنه استطاع أن يصبح كاتب سيناريو متميزاً وذلك بعد أن حصل على حلقة مكتوبة لأحد المسلسلات، وتعرف من خلالها على طريقة تقطيع القصة إلى مشاهد، وكيفية وضع «اللوكيشن»، وهكذا بدأ بالتجريب والكتابة..

. ورغم أن أحدا لم يشجعه فإنه شعر أنه يمتلك الموهبة وقرر إظهارها. كانت تجربته الأولى مع مسلسل «باب الحارة» الذي طمح من خلاله إلى تحقيق الشهرة، وهذا ما حصل. حيث استطاع هذا العمل أن يسيطر على المشاهد العربي محققا الحضور الأقوى ليس على مستوى الوطن العربي فقط بل على مستوى العالم، معتمدا بالأساس على محبة الناس للبيئة الشامية والدراما السورية.. ويؤكد الكاتب مروان قاووق أنه لم يتعرض في «باب الحارة» للواقع السياسي أو الثقافي للشام في أي مرحلة من المراحل، بل وضع قصصاً اجتماعية واقتصادية عكس فيها واقع مجتمعنا الحالي عبر إسقاطات غير مباشرة، وقدم الرسالة التي يريد إيصالها إلى المجتمعات العربية بضرورة وجود مجتمع مبني على القيم والأخلاق... ومازال يطرح القصص البسيطة التي تلامس كل إنسان... مشيرا إلى أنه بطبعه يحب الدخول في التفاصيل البسيطة للمشاهد كي لا يمل ويبقى مشدوداً للمشاهدة ومتابعة العمل... وحسب تصريحاته الأخيرة يعد قاووق بأن العام المقبل 2013 سيشهد حضور جزء جديد من مسلسل باب الحارة، من دون الإشارة إلى سبب عدم صناعة هذا الجزء العام الحالي... مؤكداً أنه اتفق مع المخرج بسام الملا على تأليف جزء سادس من العمل ليكون جاهزاً للعرض العام المقبل أي العام 2013.
ونفى الكاتب ما تردد عن قيامه بسرقة نص مسلسل «ابن الداية» من الكاتبة إحسان شرباتي، مؤكداً أنه لا يعرف شيئاً عن مسلسل بهذا الاسم، وأن الأمر بمجمله هو أن شركة «غولدن لاين» اتفقت معه على تأليف عمل بعنوان «كسر الرجال» وأي اختلاف أو تشابه بين هذا وذاك لا علاقة له به... أما بشأن عمله الذي يحمل عنوان «كسر الرجال» فهو عمل يرصد البيئة الشامية خلال فترة الاحتلال الفرنسي لسورية، ومعظم حكاياته شعبية واجتماعية...
كتب قاووق عدداً من الأعمال الأخرى: أحدها للأطفال كان من نصيب شركة «العقاد» وآخر معاصر للتلفزيون السوري، ومن أعماله في البيئة الشامية أيضاً مسلسل «بيت جدي» الذي يتحدث عن البيئة الشامية في بداية الثلاثينيات، وفي هذا العمل نرى كيف يؤثر الاستعمار الفرنسي بشكل أو بآخر في طريقة التعامل بين أفراد المجتمع في ذلك الحين، فالاستعمار كان يحاول أن يزرع الحقد والضغينة بين الناس...
أما هذا الموسم فلقد قدم الكاتب مروان قاووق ثلاثة أعمال هي «طاحون الشر» من إنتاج غولدن لاين، ومع أن هذا العمل يعد من أعمال البيئة الشامية الشامية فإنه يرصد فترة الاحتلال الفرنسي في سورية من خلال خط سياسي هو النضال ضد الاحتلال الفرنسي مسلطا الضوء على ثوار الغوطة في تلك الفترة ونضالهم ضد الاستعمار... ومسلسل «مختار حارتنا» الذي اتسمت أحداثه بشيء من الطرافة، والمبالغة في رسم ملامح الشخصيات عبر العديد من المواقف الكوميدية التي يطرحها في إطار بيئي شامي..إضافة إلى مسلسل «لعنة قسم» وهو أيضاً بيئه شامية.. تتفجر القصص فيه من أحداث صغيرة في بدايتها لتصل حد الصدام بفعل تراكمات أحداث اجتماعية كثيرة بين أهل الحارة, سببها المال والسلطة والتفرقة الطبقية بين أفراد المجتمع الذي ينقسم ما بين الغني والفقير, ومن الأسباب الأخرى لتلك الصدامات في «لعنة قسم» نجد هناك مفهوم الثأر إضافة إلى مفهوم الحب... يقول قاووق عن كتاباته للبيئة: لا أعتمد في أعمالي الشامية على التوثيق بل أقدم قصصاً شعبية واجتماعية في زمن مفترض، ومن نسج الخيال، صنعته لأجل تصاعد الأحداث ولتشويق المشاهد من أجل متابعته للمسلسل لا أكثر، هذا هو أسلوبي، وهذا هو سر نجاحي.